إيللا بانتظار العدالة

إيللا بانتظار العدالة

مسلسل المماطلة في قضية إيللا طنوس مستمرٌّ، تلك الطفلة الصغيرة التي صارت بلا أطراف نتيجة سلسلة من الأخطاء الطبية والإهمال والتقاعس في 3 مستشفيات، التي يتحمّل مسؤوليتها عدد من الأطباء والممرضين. باتت اللعبة الآن لعبة قضاة ومحامين، يتقنون هدر الوقت منذ أكثر من سنة ونصف سنة، ويهدّدون بهدر «العدالة» نفسها. حان لهذه القضية أن تصل إلى خواتيمها، وأن يلقى كل مذنب العقاب

19 أيلول المقبل هو موعد جلسة ثانية لتقديم دفوع شكليّة، كان من المفترض تقديمها في جلسة 14 تموز الماضي، في الدعوى رقم 777/2015 المقامة على مستشفيات "سيدة المعونات" و"أوتيل ديو" و"الجامعة الأميركيّة" وأطبائها، "بجناية وجنحة الإيذاء وبتر أطراف الطفلة إيللا طنوس".

قدّم كلّ من مستشفى "سيدة المعونات" و"أوتيل ديو" دفوعهما الشكليّة، فيما استمهل طبيب المستشفى الثاني كارلوس أكاتشاريان، ليُطلع محاميه (وكّله قبل يوم من الجلسة) على الملف. أمّا مستشفى "الجامعة الأميركيّة" وطبيبته رنا شرارة، وطبيب المستشفى الأوّل عصام معلوف، فلم يقدّموا حتى اليوم دفوعهم الشكليّة. يُستنتَج من ذلك أن المماطلة في هذه القضية مستمرّة تحت أعين القضاء. إذ مرّت سنة ونصف سنة، وما زالت القضية تراوح مكانها، ولم يصدر قرار ظنيّ يحيل الملف على المحكمة الجزائيّة لإنصاف الطفلة التي بُترت أطرافها الأربعة "نتيجة الأخطاء الطبيّة والإهمال في معالجتها في المستشفيات الثلاثة ومن أطبائها"، بحسب تقريرين صادرين عن اللجنة الطبيّة المكلّفة من قاضي التحقيق في بيروت جورج رزق.

تهرّب من المسؤوليات

الدفوع المقدّمة ترمي إلى إطالة أمد النزاع. يحاول كلّ مستشفى إبعاد المسؤوليّة (المثبتة في التقارير الطبيّة) عن نفسه، ورميها على أطراف أخرى.

حصر مستشفى "سيدّة المعونات"، التابع للرهبانيّة المارونيّة اللبنانيّة، علاقته بالقضية ضمن فترة زمنيّة لا تتجاوز خمساً وثلاثين ساعة أمضتها الطفلة في المستشفى (من فجر 1/3/2015 وحتى الرابعة بعد الظهر من 2/3/2015). ركّز على النتيجة (بتر أطراف إيللا في مستشفى آخر)، متغاضياً عن الأسباب (الإهمال الحاصل فيها). رمى المستشفى مسؤوليّة معالجتها وتشخيص حالتها على الطبيب المعالج عصام معلوف، مستنداً إلى المادتين 14 و18 من قانون الأداب الطبيّة رقم 288/94، اللتين "تعطيان الطبيب المعالج استقلاليّة في اعتماد ما يراه مناسباً من علاجات، وأن يرفض أثناء ممارسة مهنته أي تدخل أو ضغوط للتأثير في قراراته لأنه مسؤول وحده عن أعماله المهنيّة والنتائج المترتبة عنها".

أنكر وجود أي تقصير أو إهمال من قبل الجسم التمريضي والطبي فيه، ليطلب في الخلاصة ردّ ادعاء النيابة العامة الاستئنافيّة لعدم وجود أية أفعال منسوبة إليه، دون أن ينسى إبداء امتعاضه من: 1 ــ العبارات الواردة في شكوى المدّعين (اعتبار الطفلة بريئة وما حصل معها بمثابة مجزرة)، 2 ــ نتيجة التقرير الطبي الصادر عن لجنة البروفيسور أمين قزي (رئيس قسم الطوارئ في الجامعة الأميركيّة الذي انفصل عن لجنة نقيب الأطباء السابق شرف بوشرف، المعيّنة من القضاء، وقدّم تقريراً مستقلاً لما وصفه بمحاولات اللجنة إبعاد المسؤوليّة عن سيدة المعونات وأوتيل ديو ورميها على الجامعة الأميركيّة).

من جهته، لم يكبّد مستشفى "أوتيل ديو" عناء كتابة أكثر من صفحة لطلب ردّ الادعاء عليه، زاعماً أن الفعل المدّعى به (الامتناع عن إغاثة مريض المنصوص عليه في المادة 567 عقوبات) لا يُعَدّ فعلاً جرمياً يعاقب عليه القانون، رغم أن هذا الفعل (سنداً إلى التقارير الطبيّة) أسهم في تخفيف فرص نجاة الطفلة، التي بدت واضحة عليها آثار الصدمة الإنتانيّة القاتلة بنسبة 80%، بسبب عدم علاجها في الوقت المناسب.

ردّ على الدفوع

تأتي دفوع المستشفَيين كأنهما غير معنيَّين بما ورد في تقريري لجنتي بوشرف وقزي الطبيتين، اللتين تؤكّدان تقاسم مسؤوليات الأخطاء الطبيّة والإهمال بين المستشفيات الثلاثة، حيث تكمن مسؤوليّة "سيدة المعونات" في التأخّر في تشخيص حالة الطفلة، وفي معالجتها بالمضادات الحيويّة وفي تقديم علاج "الصدمة الإنتانيّة"، ومسؤوليّة "أوتيل ديو" في عدم فحص الطفلة لمعرفة ما إذا كانت بوضع يسمح بنقلها، ومسؤوليّة "الجامعة الأميركيّة" في الاستخدام المفرط للعلاج المضيّق للأوعية وتأخّر إيقافه، رغم تحسّن الطفلة سريرياً وبيولوجياً، ما أخّر تشخيص الغرغرينا ومعالجتها، وأدّى إلى بتر أطرافها.

استند طلب ردّ الدفوع إلى مجموعة أخطاء طبيّة وتمريضيّة وعلاجيّة واستشفائية (راجع مقال العدالة لـ"إيللا"... مع وقف التنفيذ! عدد 2908) ارتُكبت بحقّ إيللا، وتشكّل جرائم جزائيّة، ينطبق عليها وصف جناية وجنحة الإيذاء وبتر أطراف الطفلة والامتناع عن الإغاثة، المعاقب عليها بالمواد 557 و565 و567 و210 عقوبات، وفي قانون الآداب الطبيّة رقم 288/1994، وثبوت الإهمال والاستهتار والخطأ في علاجها، من لحظة دخولها قسم الطوارئ في "سيدة المعونات" حيث استقبلها طالب في الطب، ومغادرة الطبيبة المقيمة التي لم تعد حتى بعد ظهر اليوم الثاني (رغم إشارتها في تقريرها إلى حالة إيللا الصعبة)، والتمنّع عن إعطائها أي علاج، وتدهور حالها وتأخر إعطائها المضادات الحيويّة لأكثر من عشر ساعات، وعدم مراقبة حالتها في الليل والمؤشرات الحيويّة، وعدم اتخاذ أي إجراء علاجي أو وقائي رغم بروز علامات الصدمة الإنتانيّة، وحتى مغادرتها بسبب تفاقم حالتها (عكس ما زعمته "المعونات")، وصولاً إلى بتر أطرافها الأربعة.

أمّا في "أوتيل ديو" فلم يُجرَ أي فحص سريري للطفلة في قسم الطوارئ الذي أدخلت إليه بتكليف من الطبيب معلوف، حيث رُفض استقبالها لعدم وجود أماكن شاغرة، كذلك فإن طبيب الأطفال كارلوس أكاتشاريان، لم يفحصها ولم يقدّم الإسعاف لها، رغم وصولها بحالة صدمة إنتانيّة واضحة، ما خفض فرص نجاتها ودفع إلى تطوّر حالتها الصحيّة وصولاً إلى الغارغارين المحيطي المتناظر.

فيفيان عقيقي

 

المصدر: الأخبار