طريق التهجير تمر بالمكبّ

  • مقالات
طريق التهجير تمر بالمكبّ

يظن البعض أن ما من قوة تستطيع ردع الجرف الآتي من مافيات السلطة وأن زمن الاهتراء الحاصل في المؤسسات الدستورية هو أفضل وقت لتمرير مشاريع قديمة جديدة، لا تنطلي على أحد. من هنا يمكن القول أن ابتكار أو إستحداث مكب النفايات في برج حمود والجديدة على ساحل المتن، ليس بالفعل البريء ولا هو الحل لمشكلة النفايات فقط كما يحاولون التسويق له بل يحمل في طياته مشروعا يحاك لأبناء المنطقة ويظن أصحاب النفوس الموبوءة أنه ليس صعبا تحقيقه.

في أواخر السيتينيات والسبعينيات من القرن الماضي عملت بعض الأطراف اللبنانية على مساندة ومساعدة أطراف ومجموعات غريبة عن لبنان، من فلسطينيين وسوريين، على تهجير ممنهج لبعض اللبنانيين المتمسكين بحرية البلد وسيادته واستقلاله، ولم يكن المشروع سرّا على أحد حتى أن ابو اياد قالها علنا "طريق فلسطين تمرّ بجونيه". طبعا لم تمر طريق فلسطين حتى ببيروت، إلا باتجاه البحر ليرحل عنّا هو ومن خرّب البلاد يومها، وصمدنا ولم نترك أرضنا. بعدها حاول البعض أن يهجر الأحرار ممن رفضوا الإحتلال السوري وأيضا لم ينجحوا. لكن يبدو أن هذا الحلم لا يزال قائما في بعض النفوس الموبوءة. حلم الإنتقام ممن حرمهم فرصة النصب والإحتيال ووضع اليد على البلد يترافق مع حقد قديم، بعض العارفين بطبيعته يعود به إلى القرن التاسع عشر. وليس الإصرار على إقامة مكبّ للنفايات غير المفرزة على طول ساحل المتن إلا دليلا قاطعا على أن هذه النفوس فعلا موبوءة.

لمن لا يعرف مكبّ برج حمود الشهير، الذي تحوّل معلما وجبلا يمكن رصده من الأقمار الإصطناعية. لمن لا يعرف هذا الإبن المولود من رحم نفوسهم الموبوءة، فليسأل أبناء المنطقة كم عانوا من جحيمه. كم عانوا من حريقه وريحه وأمراضه على مدى سنين. هذا المكبّ الذي خطف أرواح المئات من النفوس البريئة والنظيفة كان يمتد على مساحة ما يقارب الـ 90 ألف متر مربع فيما مشروع المكب المنوي إنشاؤه اليوم فيصل إلى مساحة 600 ألف متر مربع بارتفاع 15 مترا على الواجهة البحرية لساحل المتن، ستستقبل هذه المساحة الشاسعة ملايين أطنان القمامة من دون فرز. هذا ما كتب في العقود وعلى الورق، وكلنا علم كيف يتحول ما يكتب على ورق إلى حبر على ورق، وكيف الموقت يتحول دائما، وما يرتفع 15 مترا يتضاعف ارتفاعه دون حسيب أو رقيب.

هذا كله يعني أن المنطقة المجاورة للمكبّ قد حُكم على أهلها بالتهجير أو بالموت البطيء لأن السكن في المناطق المتاخمة للمكب، من الزلقا عمارة شلهوب إلى الجديدة البوشرية السد، وصولا إلى الدكوانة وجسر الواطي وبرج حمود وحتى تخوم الأشرفية،هو بمثابة العيش في مناطق ستتحول إلى رقعة موت بطيء كون الأمراض والانبعاثات والإفرازات الناتجة عن المكبّ وعمّا يتصاعد من الشاحنات القادمة إلى الموقع لا يمكن السيطرة عليها.

لماذا هذا الإصرار على قتل المنطقة هذه فيما الحل واضح وضوح الشمس و"الشمس شارقة والناس قاشعة"؟ الحل أرخص بمئات المرّات مما يتم وضعه في مشاريع القتل هذه. الحل هو في اللجنة التي أقرّ مجلس الوزراء إنشاءها، أي لجنة لامركزية النفايات التي بعد أن يتم تشكيلها تضع مخططا توجيهيا لتتقيّد به البلديات، وتعمل مع البلديات واتحادات البلديات على إنشاء معامل فرز لامركزية واستحداث مواقع للتسبيغ وتحويل النفايات العضوية إلى سماد زراعي يمكن الإستفادة منه في القطاع الزراعي. تجربة معمل الفرز في بكفيا حلّت مشكلة النفايات في حوالى 7 بلدات مجاورة بكلفة لم تتعدَّ الـ 50 ألف دولار ما يعني أن اعتماد هذا النموذج يوفر على خزينة الدولة وعلى جيوب المواطنين ملايين الدولارات، وبالطبع يقطع الطريع على "الكوميسيونات".

نريد أن تصرف ملايين الدولارات لإنشاء محطة قطار حديثة على ساحل المتن، تقي اللبنانيين شرّ "البهدلة والتعتير" الذين يعانون منهما في تنقلاتهم اليومية، وتعيد ربط الوسط بالأطراف. نريد أن تصرف الملايين في تأهيل محطات تكرير الصرف الصحي لأننا لسنا "همجا" ويحق لنا العيش بكرامة، ويحق لأولادنا أن ينعموا ببيئة نظيفة.

أما أن تسكب الملايين في كؤوس أصحاب النفوس الموبوءة لينعموا بها ويهجّروا أبناء ساحل المتن فهذا لن يمرّ، لأن في بلد الأرز حزبا إسمه حزب الكتائب اللبنانيّة، حزبا سيقاتل حتى الرمق الأخير لبناء دولة الحق والكرامة، ولن يتراجع حتى وإن ترك ليقاتل وحده، لن يتراجع، لأنها مسألة مساواة وكرامة إنسان.

جيلبير رزق

المصدر: Kataeb.org

الكاتب: جيلبير رزق